إخوان الصفاء

146

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في كيفية وصول قوى أشخاص العالم العلوي إلى أشخاص العالم السفلي الذي هو عالم الكون والفساد اعلم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن معنى قول الحكماء : « العالم » إنما هو إشارة إلى جميع الأجسام الموجودة وما يتعلق بها من الصفات ، وهو عالم واحد كمدينة واحدة أو حيوان واحد . ولكن لما كانت الأجسام كلّها تنقسم قسمين حسب ، فمنها عالم الأفلاك ، ومنها عالم الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ، ويسمى عالم الكون والفساد ، فنقول : إن أول حدّ عالم الأفلاك هو من أعلى سطح الفلك المحيط إلى منتهى مقعّر سطح فلك الأثير ، وهو فلك القمر ، ثم مما يلي الهواء ؛ وحدّ عالم الأركان هو من مقعّر سطح فلك القمر إلى منتهى الأرض ، ويسمى أحدهما العالم العلويّ والآخر العالم السّفليّ ، لأن العلويّ هو مما يلي المحيط ، والسّفليّ مما يلي المركز . وأما الذي فوق الفلك فهو رتبة النفس الكلّيّة التي هي سارية قواها في جميع الأجسام التي في العالمين جميعا من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض بإذن الباري جلّ ثناؤه . واعلم يا أخي أن أول قوة تسري من النفس الكلّيّة نحو العالم ، فهي في الأشخاص الفاضلة النيّرة التي هي الكواكب الثابتة ، ثم بعد ذلك في الكواكب السيّارة ، ثم بعد ذلك فيما دونها من الأركان الأربعة ، وفي الأشخاص الكائنة منها من المعادن والنبات والحيوان . واعلم بأن مثال سريان قوى النفس الكلّيّة في الأجسام الكلّيّة والجزئيّة جميعا كمثال سريان نور الشّمس والكواكب في الهواء ومطارح شعاعاتها نحو مركز الأرض . واعلم يا أخي بأن الكواكب السيّارة ترتقي تارة بحركاتها إلى أعلى ذرى